الرّحيل

في عالمك الصغير وأنت في عمر الزهور لا تدرك معاني الحياة الحقيقية التي تعيشها، اللعب واللهو هي مقادير السعادة اليومية لك وللآخرين من أصحابك وجيرانك، لا تعلم قدرك ولا ألمك، ألوان الحياة بين ناظريك تراها، تتأثر بجميعها حتى تتشكل الرؤية التي آثرت أن تكون لك بعد أن يستوعبها عقلك في مرحلة ما من عمرك، وفي زمنٍ له مآثره في ضيافة لها موعدها إنْ لم يتم تحديدها بعد.

تلك هي الأرصفة التي تنزلق بينها، تعارض.. تكابر.. تكره.. تحبّ.. تبكي.. إنّه صراع الحياة، تتأثر بالخير والشر معاً في قارب له بحره، حواسّك تعمل كما الطبيعية التي وطئت روحك فيها، وبين هذا وذاك ترى والديك وأخوتك وعائلتك جميعها من ولِدَ قبلك أو بعدك في بيت واحد كان زمانه هكذا، نعيش في الشبع والجوع لكن قطعاً هناك قائد يتلو آياته إليك كلّ يوم؛ لكي يستقيم عودك وفكرك.

تغادر إلى مدرستك تنهل، تتعلم الحروف والكلمات وبعض الأدب من لوم ساقه لك المعلم على يديك أو أردافك بعصا الخيزران المصنوعة من القصب، لك أن تبكي أو تحبس صراخك أو دمعتك أمام الحاضرين، بينما حارس المدرسة «أبو عثمان» يطرق باب الفصل في الحصة الأولى، يقول: والدتك تناديك أن تذهب إلى البيت عاجلاً! الجميع ينظر لي ولسان حالهم يقول: لماذا الوالدة وليس الوالد؟

إنّه حياء وعيب أن تذكر والدتك أمام الطلاب وليس اسمها طبعاً في العرف له وضعه، الذهاب كان له، الوصول إلى باب المنزل لم يكن عادياً، سمعت ورأيت نساءً وعويلاً يَصْرَخْنَ على فقيد قد رحل، الدخول كان له، رأيت والدتي تصرخ وتبكي والألم أصابها من الفاجعة والنساء حولها يتبادلنا الصراخ نفسه، نظرت لي وقالت: لقد مات أبوك، لم أدرك أو أستوعب الموت الحقيقي وأنا طفلٌ في الثانية عشرة، خوفٌ مباشر وقع على نفسي، من هو الذي توفّى، جدّي أو والدي، لم أكن أعرف أنّ الموت يعادي الكبار قبل الصغار أو العكس، إنّها معادلة لم أتقنها بعد في عقلي.

خرجت سريعاً للوصول إلى جدّي الذي كنت أعتقد هو الذي رحل وجارتنا أم ميرزا ترافقني رحلتي، المسافة بعيدة نوعاً ما للوصول، السيارات لم تكن تلك الكثرة في وقتي في الحارة أو في الشارع، رأينا صاحب البقالة السيّد سعيد يقود سيارته النقل الجديدة أن يأخذني إلى جدّي، لكنه اعتذر بسبب أنه ما زال تحت التدريب. واصلت السير جرياً وحيداً إلى جدّي الذي يعمل خارج دائرة الأحوال المدنية، اعتقادا بأنني سوف أراه ملقياً على الأرض والناس حوله في إنقاذه، لكن الصورة تبدلت عندما رأيته ما يزال يعمل بتحرير خطابات المراجعين مقابل مال معيّن لهم في قضاء معاملاتهم، تحت مظلته الشمسية والطاولة المتواضعة.

توسّعت المفاجأة لديّ واقتنعت أنّ الراحل هو والدي، اقتربت منه وهو متفاجئ بقدومي، ماذا تفعل هنا؟ قلت له: أبوي مات.. وقعت الواقعة فوق رأسه، أسند طاولته وأغلق مظلته، أخذني بيدي وذهبنا إلى المستشفى مع أحد المارين بسيارته، وبين الدخول خرج إلينا الممرض أبو حسين يقول لنا: البقية في حياتكم، انفجار سحق بدني وعقلي وروحي، خرجت مسرعاً إلى الشارع الرئيس، أصرخ بصوت مرتفع، لم أكن أتوقع أن يموت والدي، كنت أنادي نفسي ببراءة الطفولة من يقدّم لي طعامي، من يهتم بي بعد رحيله، لا أعلم لماذا قلت؟

لكن قطعاً هناك وصال قد انتهى، شعرت أنني فقدت الأمان والحياة معاً مع أبٍ كان يحنو علينا جميعاً«والدتي.. أخواني.. جدّتي.. عمّاتي.. عمي» في حياتنا المشتركة، كما جدّي عبد ربّ الرسول الذي كان معي، رجعت إلى جدّي والخوف يملؤني، ربما أراه جثة أمام عيني، تركت جدّي جرياً إلى والدتي بعد مسافة طويلة، والأقوام تزداد من جميع الأحياء القريبة في مواساة والدتي وجدّتي رباب، انتظرت خارجاً بضع ساعات عندها بدأت أركض إلى المقبرة وأنظر إلى السماء التي مُلِئت بالغيوم لكي أرى والدي قبل دفنه، وهي المرة الأولى التي وطئت قدمي فيها.

لم أستوعب الحدث والناس والموت وخوف الموت العظيم، لم يكن الحظّ وافراً لكنني رأيت جنازة والدي محمولة على النعش بعد غسله وتكفينه وهم يقتربون بالدخول إلى المقبرة، استطاع أحد أصدقاء والدي أن يقنعني بالعودة إلى البيت، عند الغروب سكن الليل وذهب الجميع إلى منازلهم، تستطيع أن تشعر بأنّ والدي مازال معنا تلك الليلة! كنتُ أتخيّل دخوله أو أنه يطلّ علينا من نافذة المنزل، ومضت الأيام لكنها لم تستطيع أن تزيله من حلمي.. وشوقي وحبّي له برغم العمر الذي بلغته من زواج أحفاد يأخذون فؤادي كلما رأيتهم... عهداًعليّ، لن ينتهي حبّي إليك حتى الرمق الأخير.