عليّ الأكبر وعناصر النجاح

أولى الإسلام فئةَ الشباب عنايةً خاصة، واحتفى بهم بوصفهم طاقة التغيير، ووقود النهضة، وأمل المستقبل. ولم يكن هذا الاهتمام عابرًا أو نظريًا، بل تجلّى في كلماتٍ نبويةٍ صادقة، ورواياتٍ عميقةٍ صادرة عن أهل البيت ، تؤكد أن الشباب هم الأقرب إلى الحق، والأسرع إلى الخير، والأقدر على حمل الرسالة.

قال رسول الله ﷺ:

«أوصيكم بالشباب خيرًا، فإنهم أرقّ أفئدة، إن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا فحالفني الشبان وخالفني الشيوخ» «1»

وفي مشهدٍ آخر يعكس هذه الحقيقة، سأل الإمام جعفر الصادق تلميذه محمد بن النعمان المعروف بمؤمن الطاق - وكانت مهمته نشر تعاليم الإسلام - فقال له:

كيف رأيت مسارعة الناس في هذا الأمر ودخولهم فيه؟

فأجابه: «والله إنهم لقليل»

فقال الإمام الصادق :

«عليك بالأحداث، فإنهم أسرع إلى كل خير» «2»

سنّ الشباب… مرحلة الإمكانات الكبرى

يمتاز سنّ الشباب عن سائر مراحل العمر بجملةٍ من الخصائص التي تجعله الأقدر على البناء والتغيير، فهو سنّ الطاقة المتدفقة، والحيوية المتجددة، والتفاعل السريع مع المتغيرات.

وهو مرحلة علوّ الهمة، والاستعداد للعطاء البدني والعقلي، والطموح الذي لا يعرف الاستسلام، ولا يرضى باليأس.

كما يتسم الشباب بحبّ المغامرة، والاستعداد لمواجهة التحديات، والقدرة المستمرة على التطوير والتطوّر، وهي عناصر تجعل منهم عماد أي مشروع إصلاحي أو حضاري «3».

عليّ الأكبر… قدوة الشباب الواعي

لا يستطيع الإنسان أن يشقّ طريقه دون قدوةٍ صالحة تهديه، وتحفظ طاقاته من الضياع، وتوجهها نحو ما يخدم الدين والمجتمع.

وقد كان عليّ الأكبر نموذجًا حيًّا للقدوة الواعية، والروح المؤمنة، والشباب الذي جمع بين البصيرة والشجاعة.

ويتجلّى ذلك بوضوح في الحوار الخالد الذي دار بينه وبين الإمام الحسين في طريقهم إلى كربلاء، حين قال عليّ الأكبر:

«يا أبه، لا أراك الله سوءًا، ألسنا على الحق؟»

فأجابه الإمام الحسين :

«بلى، والذي إليه مرجع العباد»

فقال عليّ الأكبر بكل ثبات ويقين:

«فإنّنا إذاً لا نبالي أن نموت محقّين» «4»

إنها كلمات قصيرة، لكنها تختصر وعيًا عميقًا، وإيمانًا راسخًا، واستعدادًا للتضحية في سبيل الحق.

عناصر النجاح في شخصية عليّ الأكبر

أولًا: تشخيص الهدف

تشخيص الهدف هو القدرة على إدراك الحق، وتحديد المسار بوضوح، دون تردد أو ضبابية.

وقد امتلك عليّ الأكبر هذه البصيرة، فكان واعيًا لهدفه، ثابتًا على موقفه، متمركزًا حول الحق، لا تحرّكه الشكوك ولا تضعفه التحديات.

ثانيًا: الثقة بالنفس

الثقة بالنفس لا تعني الغرور، بل تعني النضج، والثبات، ومعرفة الإنسان لقدراته وحدوده، والقدرة على التعبير المتوازن عن شخصيته.

وقد جسّد عليّ الأكبر هذه الثقة، فوظّف طاقاته وإمكاناته في خدمة الإمام الحسين ، وكان حضوره قويًا، وموقفه واضحًا، وعطاؤه صادقًا.

ثالثًا: الحماس الحكيم

الحماس قوة دافعة لا غنى عنها، لكنه إن لم يكن منضبطًا بالحكمة والوعي، قد يتحول إلى اندفاعٍ غير محسوب.

وعليّ الأكبر قدّم نموذج الحماس الحكيم؛ حماسًا نابعًا من الإيمان، موجّهًا بنصرة الحق، ومقرونًا بالبصيرة والوعي.

رابعًا: الدور الحيوي

الشباب هم عنصر الحيوية في الأمة، وهم طليعة التغيير، وصنّاع التحوّل.

فالشاب الواعي لا يقف متفرجًا على الأحداث، بل يشارك في صنعها، ويسهم في بناء الواقع، ويتحمل مسؤوليته تجاه دينه ومجتمعه.

وهكذا كان عليّ الأكبر ، قدوةً للشباب في الوعي، والوفاء، والعطاء.

 

1] فريد: مرتضى، روايات من مدرسة أهل البيت، ج1، ص349.
2] الكافي، ج8، ص79.
3] الأستاذ جواد الحمد، السبيل اليومية، 22/5/2011.
4] نفس المهموم، ص122–123.
أخصائي التغذية العلاجية