ثروتك في الناس
هناك من يظن أن الثروة الحقيقية تكمن في المال أو النفوذ، أو المناصب، أو الشهادات العالية، غير أن التجارب الحياتية، والدراسات الحديثة، تكشف لنا حقيقة أعمق: فكم من أشخاص امتلكوا كل شيء، ثم خسروا الناس فسقطوا، وكم من آخرين بدأوا بإمكانات متواضعة لكنهم كسبوا القلوب فصنعوا نجاحاً أكبر من إمكاناتهم
فالأموال يمكن توفيرها، والمناصب يمكن اكتسابها أو تعويضها، أما العلاقات الصادقة، فلا تُشترى، ولا تُفرض بل تُبنى بالمواقف النبيلة، والأخلاق الرفيعة والصدق، وحسن التعامل، ولهذا تبقى مع الإنسان حتى عندما يفقد كثيراً مما يملك، وقد قال الأمام على
" خالطوا الناس مخالطة ً إن متم بكوا عليكم، وإن عشتم حنّوا إليكم
ولعل من أجمل ما قيل في هذا المعنى ما ذكره الكاتب الإداري نسيم الصمدي في مقدمة كتابه ”السبب قبل الذهب“ حين قال ”ليس شرطاً أن تكون وسيماً لتكون جميلا، ولا ضخماً لتكون قويا، ولا عجوزاً لتكون حكيما ولا مشهوراً لتكون عظيما، ولا غنياً لتكون سعيدا، ولا متعلماً لتكون ناجحا“.
ومن يتأمل هذه الكلمات بعمق يدرك أنها لا تتحدث فقط عن النجاح الفردي، ولا عن المظاهر التي ينبهر بها الناس، بل تكشف سرّاً كبيراً من أسرار الحياة والأعمال معاً، فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بالمظاهر ولا بالألقاب، ولا بالشهادات، ولا حتى بالإمكانات المادية وحدها، بل بما يملكه من أثر إنساني، وقدرة على بناء علاقات صادقة، واحترام للآخرين،
ومن هنا بدأت كثير من النظريات الإدارية الحديثة تتعامل مع العلاقات البشرية باعتبارها مورد مهم في الأعمال، بل أحد أهم الموارد الاستراتيجية للمؤسسات الناجحة، لأن المؤسسات لا تتحرك بالأنظمة وحدها، ولا بالأموال وحدها، ولا بالتقنيات وحدها، بل بالبشر، والثقة، والتعاون، والقدرة على بناء بيئة يشعر فيها الإنسان بالتقدير والانتماء
لكن لنكن صادقين: ليس كل علاقة نافعة أو صحية أو مستقرة، فبعضها سام واستنزافي، والتخلي عنها ضرورة صحية مُلحه، فليس الجميع يمتلكون المهارات الاجتماعية، والقدرة على المحافظة على العلاقات، فهي تتغير وتتبدل وتنتهي أحياناً، والاعتراف بهذا لا ينتقص من أهميتها، بل يجعل نظرتنا إليها أكثر نضجاً.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماهي هذه الثروة؟ وما الفرق بين العلاقة الحقيقية والواسطة والمحسوبية؟ وكيف نبني هذه الثروة ونحافظ عليها؟.
العلاقات... قيمة لا تُشترى
من يتأمل حياة الناس يعرف أن العلاقات لم تكن يوماً ما أمراً ثانوياً أو ترفاً اجتماعياً أو تبادل مجاملات عابرة بل كانت دائماً واحدة من أهم ركائز النجاح والاستقرار والتأثير، لأن الإنسان مهما امتلك من علم أو قوة أو مال أو منصب يبقى محتاجاً إلى الناس، فكما أنك تحتاج إلى من يفهمك، ويمنحك الفرصة، ويقف معك في الأزمات فأنت أيضاً تحتاج إلى من تتبادل معه الخبرات والأفكار والدعم والمشاعر الإنسانية، ولهذا كانت العلاقات الصحية من أعظم مصادر القوة النفسية والاجتماعية والمهنية معاً.
ماذا تقول الدراسات
وهذا ما تؤكده الدراسات العلمية والتجارب الإدارية الحديثة، ففي واحدة من أشهر الدراسات العالمية التي أجرتها جامعة هارفارد واستمرت لأكثر من ثمانين عاماً حول أسباب السعادة والنجاح وجودة الحياة، توصّل الباحثون إلى نتيجة لافتة مفادها ”أن العلاقات الإنسانية الجيدة ليست سبباً في السعادة والنجاح فقط، بل ترتبط بالصحة، والاستقرار وطول العمر أيضاً“ وقد لخص مدير الدراسة هذه النتيجة بقولة ”العلاقات الجيدة تحفظنا أكثر من المال والشهرة“
كما، ويُروى أن أحد رجال الأعمال تعرّض لخسارة مالية كبيرة أفقدته جزءاً واسعاً من تجارته، وكان يظن أن كل شيء قد انتهى، لكنه فوجئ بأن كثيراً من الأشخاص الذين أحسن إليهم سابقاً وقفوا معه، فمنهم من دعمه ومنهم من فتح له أبواباً جديدة، ومنهم من منحه فرصة أخرى للعودة من جديد، فقال بعدها عبارة مؤثرة " عندما خسرت المال اكتشفت أن أعظم استثمار قمت به في حياتي لم يكن في التجارة، بل في الناس.
ولعل أكثر ما يكشف حقيقة العلاقات أن بعض الناس عندما يمرّ بأزمة يكتشف فجأة أن كثيراً ممن كانوا حوله لم يكونوا أصدقاء بقدر ما كانوا أصحاب مصالح مؤقتة، بينما يجد آخرون أن هناك من يقف معهم بإخلاص رغم أنهم لا يملكون مالاً ولا نفوذاً، لأنهم استطاعوا طوال حياتهم أن يزرعوا الاحترام والمحبة والوفاء في قلوب الناس، ولهذا قيل " إذا أردت أن تعرف رصيدك الحقيقي في الحياة، فلا تنظر إلى حسابك البنكي، بل أنظر إلى عدد الأشخاص الذين سيبقون بجانبك حين تتغير الظروف.
العلاقات مقابل الواسطة والمحسوبية
كثير من الناس يخلطون بين العلاقات الإنسانية الناجحة وبين الواسطة والمحسوبية، مع أن بينهما فرقاً شاسعاً يشبه الفرق بين البناء والهدم، وبين العدالة والاستغلال، وبين صناعة الفرص وسرقة الحقوق.
فالعلاقات الحقيقية لا تعني تجاوز الأنظمة أو القفز فوق حقوق الآخرين، ولا تعني صناعة الفرص الوهمية لغير المستحقين أو الالتفاف على حقوق الأكفأ والأجدر، بل تعني القدرة على كسب ثقة الناس واحترامهم ومحبتهم من خلال الأخلاق والصدق وحسن التعامل.
فحين يرشّح إنسان شخصاً يعرف أمانته وخبرته وقدرته على الإنجاز، وتميزه في العمل، فهو لا يمارس واسطة أو محسوبية بقدر ما يمارس مسؤولية أخلاقية في الدلالة على الكفاءة المناسبة، لأن العلاقة هنا لم تُلغِ العدالة، بل جعلت الثقة طريقاً لاكتشاف الإنسان المناسب في المكان المناسب.
أما الواسطة والمحسوبية فشيء مختلف لأنها تقوم على تقديم الولاءات والمصالح والقرابات على حساب الجدارة والاستحقاق، ولهذا كانت سببا في ضياع الحقوق وتعطّل الكفاءات وضعف كثير من المؤسسات والمجتمعات.
ولعل أخطر ما في الواسطة أنها لا تظلم فرداً أو مؤسسة واحدة فحسب، بل تُصيب روح المجتمع كلها بالإحباط لأنها ترسل رسالة قاسية مفادها أن الاجتهاد وحد هـ لا يكفي، وأن الطريق إلى الفرص لا يمر دائماً عبر العمل والتميز، بل عبر النفوذ والعلاقات غير المشروعة.
ولهذا نرى أحياناً شاباً مجتهداً يحمل علماً وخبرة وكفاءة، لكنه يبقى سنوات يبحث عن فرصة لا يجدها، بينما يحصل آخر أقل كفاءة على المنصب نفسه فقط لإنه يعرف الشخص المناسب، وهنا لا يخسر الفرد وحده، بل تخسر المؤسسة أيضاً حين تضع غير المناسب في المكان الحساس، لأن المناصب لا تُدار بالمجاملات بل بالكفاءة والمسؤولية.
كيف تبني ثروتك في الناس
النجاح في العلاقات لا يُقاس بقدرة الإنسان على المجاملة، ولا بمهارته على تصنّع الودّ والمشاعر، وإنما هو فنُّ أخلاقي وإنساني يقوم على عدة توازنات:
أولاُ: التوازن بين العطاء والأخذ: من يعطي دائماً دون أن يأخذ يحترق، ومن يأخذ دون أن يعطي يُستنزف أما العلاقة المتوازنة هي التي يتبادل فيها الطرفان الدعم والاهتمام والتقدير
ثانياً: التوازن بين الصدق والمجاملة: فالصراحة المفرطة قد تجرح، والمجاملة الزائفة تخدع، أما العلاقة الناجحة فهي أن تعرف متى تكون صريح، ومتى تراعي المشاعر وتحفظ كرامة الطرف الآخر
ثالثاً: التوازن بين القرب والمسافة: وتعني أن تكون قريباً عندما يُستنجد بك الآخرون، وبعيداً حينما يود الآخر أن يختلي أو ينفرد بنفسه، فالقرب المفرط يفقد العلاقة احترامها، والمسافة المفرطة تفقدها دفئها، أما الحدود الصحية فهي أن تحافظ على الاحترام مع الدفء
رابعاً: التوازن بين الاحتياج والاستقلال: فالعلاقة الناجحة كما قالها أمير المؤمنين
”احتج إلى من شِئت تكُن أسيره، واستغنِ عمن شِئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شِئت تكن أميره“ ومعناها أن الأنسان أذا أصبح محتاجاً لغيره تعلق به وخضع له، وإذا استغنى عن الناس حفظ كرامته واستقلاله، وإذا أحسن إلى الناس وقدم لهم الخير والمنفعة ارتفعت مكانته في قلوبهم
ولهذا يقول خبراء الإدارة والسلوك الإنساني إن أعظم من ينجح في العلاقات ليس الأكثر حديثاً، ولا الأكثر نفوذا بل الأكثر قدرة على الاحتواء والتقدير وبناء الثقة.
ويُروى أن أحد رجال الأعمال سُئل ذات يوم: ما السرّ الحقيقي وراء نجاحك الكبير؟ فقال ”تعلمت مبكراً أن الناس قد تنسى مشروعاً ناجحاً أو صفقة رابحة، لكنها لا تنسى إنساناً احترمها ووقف معها وأنصفها“ ثم قال عبارة مؤثرة ”في الأزمات لا يتصل بك الجميع، بل يتصل بك من بنيت معهم علاقة صادقة“
ولعل من أجمل الصور المؤثرة في هذا المعنى أن بعض الناس عندما يُغادر منصباً أو وظيفة أو وجاهة اجتماعية، يختفي الجميع من حوله، بينما هناك أشخاص يبقى الناس يحبونهم ويبحثون عنهم حتى بعد سنوات وسنوات من ترك المناصب والمواقع القيادية.
والفرق بين الفريقين أن: الأول بنى حضوره على الوظيفة والمنصب، فلما زال المنصب زال الحضور أما الثاني فبنى حضوره على الأخلاق والقيم والمبادئ، فبقي في القلوب حتى بعد غياب الموقع والسلطة
وفي النهاية: ثروتك الحقيقية ليست في ما تملكه، بل في من يملكون لك مكاناً في قلوبهم، فمن ربح قلوب الناس بالأخلاق والصدق بقي أثره حتى بعد غياب اسمه ومنصبه، فالمناصب قد تصنع حول الإنسان ضجيجاً مؤقتاً، أما الأخلاق فتصنع له مكانة لا تزول.









