وراء كل أداءٍ عظيم بيئةٌ عظيمة
لعلّ من أكثر الأخطاء الإدارية شيوعاً أن يُختزل النجاح أو الفشل في الأشخاص وحدهم، وكأن المؤسسات تُبنى بالأفراد بمعزلٍ عن الظروف المحيطة بهم، أو كأن الإنسان آلة تعمل بالكفاءة ذاتها مهما تبدّلت الظروف أو اختلفت البيئات، في حين أن المشكلة قد لا تكمن في قدراتهم بقدر ما تكمن في البيئة التي يعملون داخلها.
فالقدرات والمهارات لا تعمل في فراغ، بل تتأثر باستمرار بما يحيط بها من أسلوب قيادة، وطبيعة تواصل ومنظومة قيم ومبادئ، وعدالة في الإجراءات والمعاملات وتوزيع الفرص والمعلومات، إضافة إلى الحوافز والعلاقات والشعور بالأمان والانتماء.
فكما أن البذرة الواحدة قد تعطي نتائج مختلفة باختلاف التربة التي زُرعت فيها، فإن الكفاءة ذاتها قد تتحول من طاقة خاملة إلى قوة استثنائية أو العكس، تبعاً للبيئة التي تحتويها، فقد تُطفئ بيئة يسودها الشك والتردد وسوء التواصل وضعف الثقة أكثر الأشخاص تميزاً وحماساً ونشاطاً، بينما قد تُطلق بيئة صحية وداعمة ومشجعة طاقاتٍ كامنة لدى أشخاص عاديين فتجعل منهم نماذج استثنائية في الأداء والإنجاز.
ولهذا، فإن المدراء والقيادات الواعية لا تنشغل بفئة من العاملين فحسب، بل تبدأ ببناء البيئة نفسها، لأن الأداء في كثير من الأحيان لا يعكس مستوى الأفراد بقدر ما يعكس جودة البيئة التي يعملون داخلها، فالنتائج ليست دائماً نتاج قدرات الأفراد وحدهم، بل كثيراً ما تكون انعكاساً مباشراً لطبيعة البيئة التنظيمية التي تشكّل سلوكهم وتوجّه طاقاتهم وتحدد سقف عطائهم ونجاحهم.
وإن هذا الطرح لم يعُد مجرد ملاحظات أو استنتاجات نظرية، بل أصبح حقيقة دعمتها العديد من الدراسات والتجارب الإدارية، ففي تجربة هوثورن الشهيرة التي أُجريت في مصانع شركة Western Electric اكتشف الباحثون أن إنتاجية العاملين لم تكن مرتبطة بالعوامل المادية وحدها مثل الإضاءة والأدوات وظروف العمل بل تأثرت بصورة كبيرة بالاهتمام والعلاقات الإنسانية والانتماء داخل بيئة العمل، الأمر الذي كشف مبكراً أن الإنسان لا يعمل بالمهارات والقدرات وحدها، بل يتأثر كذلك بالمناخ النفسي والاجتماعي المحيط به.
ومن هنا يبرز التساؤل التالي: إذا كانت البيئة بهذا التأثير العميق على السلوك والأداء والنتائج، فما المقصود ببيئة العمل؟ ولماذا تعجز بعض المنظمات عن تهيئة المناخ الصحي والمحفز للعاملين؟ وماهي المقومات والعناصر التي تجعل من بيئة العمل بيئة نموذجية قادرة على صناعة النجاح واستدامته؟
ما المقصود ببيئة العمل
بيئة الأعمال هي: الظروف والعوامل المحيطة بالموظف أثناء أداء مهامه، وهي تشمل العناصر المادية كتصميم المكاتب والإضاءة، والعناصر الاجتماعية كالعلاقات بين الزملاء، إضافة إلى عناصر أخرى أكثر عمقاُ كالثقافة التنظيمية، وأساليب القيادة، ووضوح الأدوار والعدالة، والتحفيز والتواصل، وما إلى ُهنالك ومثال على ذلك شركة ”قوقل“ التي لم تركز في تجربتها الإدارية على توفير التقنيات المتقدمة أو المكاتب الحديثة وحدها، بل سعت إلى بناء بيئة عمل قائمة على الانفتاح والتعاون والتشجيع وتبادل الأفكار، الأمر الذي ساهم في تعزيز الإبداع ورفع مستويات الرضا والإنتاجية
لماذا تفشل بيئات العمل
إن المتأمل لواقع بيئات العمل يلحظ بوضوح أن كثيراُ من المشكلات لا تظهر بصورة مباشرة منذ البداية بل تتسلل تدريجياً فتبدأ بتراجع الحماس، وضعف المبادرة، وتأخر الإنجاز، وكثرة الشكاوى وتضخيم الإجراءات لتتحول مع الوقت إلى انخفاض في الإنتاجية وفتور في العلاقات، بل إلى ارتفاع في معدلات الاحتكاك والتذمر وفي كثير من الأحيان تُفسّر هذه المظاهر على أنها ضعف في أداء الأفراد أو قصور في قدراتهم، بينما قد تكون في حقيقتها مؤشرات على وجود خلل أعمق في البيئة التي يعملون داخلها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الوقوف على أبرز الأسباب التي تؤدي إلى ضعف بيئات العمل وفقدانها لفاعليتها وهي كالتالي:
1 - عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب: فالملاحظ أن تعيين هؤلاء المديرين في مناصبهم لم يأتي عن طريق قياس كفاءاتهم ومدى صلاحيتهم للإدارة، بل قد يتم تعيينهم بشكل عشوائي وكيفما اتفق، مما يجعلهم عاجزين عن إدارة منظماتهم الربحية أو غير الربحية
2 - عزوف المديرين عن تطوير أنفسهم: فالملاحظ أن بعض هؤلاء المديرين يبقون في مناصبهم سنين طويلة دون أن يُحاول المدير منهم تطوير نفسه سواء بالتدريب أو حضور الدورات والمؤتمرات والنقاشات التي تثري وتُعزز كفاءة المدير أو غيرها.
3 - تمسك القائمين على إدارة المنظمات بآرائهم، وعدم قبولهم للرأي الآخر أو النقاش والمشاركة، ومبدأ ”من ليس معي فهو ضدي“ وقد أُُشير إلى هذه الحالة في الأدبيات الإدارية بما يُعرف ب ظاهرة ”تفكير القطيع“ وهي حالة تنشأ عندما تسود الرغبة في الاتفاق والمحافظة على الانسجام الشكلي داخل المجموعات على حساب النقاش الحر وتعدد الآراء، فيتردد الأفراد في طرح وجهات نظر مختلفة خوفاً من الرفض أو الانتقاد، مما يؤدي في النهاية إلى قرارات أقل جودة وأكثر عرضة للأخطاء.
ولهذا، فإن المنظمات الناجحة لا تبحث عن أفراد يوافقونها دائماً بقدر ما تبحث عن بيئة تسمح بتعدد وجهات النظر واحترام الاختلاف، لأن المؤسسات لا تبدأ خسارتها عندما يختلف العاملون، بل عندما يتوقف العاملون عن الكلام
مقومات بيئة العمل الفاعلة
حين تتعثر مؤسسة أو يزدهر مشروع آخر، فإن الأنظار غالباً ما تتجه نحو العاملين أو الموارد أو القرارات أو الإمكانات المتاحة، بينما يظل العامل الأكثر تأثيراً والأشد حضوراً، والأقل لفتاً للانتباه يعمل بصمت خلف الستار، إنها بيئة العمل التي تُصاغ داخلها السلوكيات، وتتشكل فيها العلاقات، وتُستثمر من خلالها الطاقات، فكثير من النتائج التي تظهر في نهاية الطريق لا تكون إلا انعكاسٍ متأخرٍ لما كان يتشكل بصمت في البدايات، ولذا من المهم الوقوف على المحددات والعوامل التي تصنع بيئة العمل الفاعلة والقادرة على إنتاج النجاح واستدامته، ولعل من أبرزها.
1 - ثقافة المؤسسة: فهي تُعد من أكثر العوامل تأثيراً في تشكيل سلوك العاملين وطبيعة علاقاتهم وأساليب تعاملهم، بل تمثل مجموعة القيم والمبادئ والسلوكيات التي تحكم بيئة العمل وتوجهها، فالمؤسسات أو المشاريع التي تعزز قيم الاحترام والمشاركة والشفافية والتعاون غالباً ما تنجح في بناء بيئة صحية تزيد من رضا الموظفين وانتمائهم، وكما يُقال ”الثقافة هي أم السلوك“ في إشارة إلى أن ما يظهر من سلوكيات داخل المؤسسات لا ينشأ بصورة عشوائية، بل هو انعكاس لما ترسخه البيئة التنظيمية من قيم ومبادئ وعادات ومفاهيم وقناعات وأنماط تفكير.
2 - أسلوب القيادة والإدارة: إذ إن طريقة تعامل المدير أو القائد مع فريقه قد تكون سبباً في تحفيز الطاقات أو إخمادها، فالقائد الذي يمنح الثقة ويشجع الحوار ويفوض الصلاحيات ويستمع للعاملين يخلق بيئة يشعر فيها الموظفون بالأهمية والانتماء، بينما قد يؤدي التسلط أو الإفراط في الرقابة أو تجاهل الآراء إلى خلق بيئة يسودها الخوف والتردد والاعتماد على التوجيهات بدلاً من المبادرة، وكما قال بيتر دراكر ”الثقافة تلتهم الاستراتيجية على الإفطار“ في إشارة مهمة إلى أن نجاح الخطط والأفكار يبقى رهيناً بالبيئة القيادية والثقافية التي تُنفذ داخلها.
3 - العدالة ووضوح الأدوار: فعندما تكون الأنظمة والمعايير واضحة وعادلة في توزيع المهام والحوافز والترقيات والتقييمات فإن الموظفون غالباً ما يشعرون بالرضا والاستقرار، أما عندما يسود الغموض أو التمييز أو التداخل في المسؤوليات والصلاحيات فإن ذلك يخلق شعوراً بالإحباط والاحتقان ويؤدي إلى ضعف الانتماء وتراجع الأداء، وكما قال وارن بافيت ”لا تُخبر الناس بما يجب عليهم فعله، بل اختر الأشخاص المناسبين ودعهم يُفاجئونك بما يستطيعون فعله“
4 - الأهتمام بالتطوير والتحديث: فالمنظمة الرشيدة هي التي تعلم أن العامل اليوم ليس كالعامل بالأمس، وحتماً لن يكون كعامل الغد، وأن ظروف العمل ومتغيراته في تغير مستمر، فتحاول متابعة التطورات وملاحقة كل جديد يمكن الاستفادة منه في بيئة أعمالها، لأن الجمود الإداري قد يحوّل النجاح المؤقت إلى تراجع مستمر، كما قال جون كينيدي ”التغيير قانون الحياة، ومن ينظر إلى الماضي أو الحاضر فقط فإنه سيفقد المستقبل“
5 - المرونة والتوازن: فالمؤسسات أو المشاريع التي تراعي الجوانب الإنسانية للعاملين تُسهم في خلق بيئة أكثر استقراراً واستدامة، لأن الإرهاق أو الضغط المستمر قد يؤدي إلى انخفاض الأداء وارتفاع معدلات الاحتراق الوظيفي، فالإنسان ليس مورداً يُستهلك بلا حدود بل طاقة تحتاج إلى التوازن والرعاية والاهتمام حتى تستمر في العطاء، كما قال ستيفن كوفي ”الفعالية الحقيقية لا تقوم على إنجاز المزيد من الأعمال فحسب، بل على المحافظة على القدرة على الاستمرار“.
الخاتمة
وفي نهاية المطاف يمكننا أن نقول: أن المؤسسات او المشاريع لا تنهض بالأشخاص وحدهم، كما أنها لا تتعثر بسبب ضعفهم فحسب، بل إن كثيراُ من النجاحات والإخفاقات تبدأ من مكانٍ أقل ظهوراً وأكثر تأثيرا من البيئة التي تُصاغ فيها الأفكار، وتُبنى داخلها العلاقات، وتُدار من خلالها الطاقات، فالإنسان قد يحمل المعرفة والخبرة والحماس و..، لكن هذه العناصر قد تتراجع أو تتضاعف تبعاً للبيئة التي تحتضنها، وهي حقيقة لا تقف عند حدود المؤسسات وبيئات العمل فحسب، بل تمتد إلى المجتمعات بأكملها، فالإنسان لا ينمو بمعزل عن محيطه، والأداء لا يولد من فراغ، وإنما من خلال الآخر.









