عاشوراء والجيل الناشئ

 

 

إن  المسلمين الشيعة يدركون جيدًا إن مكانتهم الدينية  نابعة من عظمة ومكانة  أهل البيت  عليهم السلام ، وإن أهم عامل من عوامل قوتهم في العصور المتقدمة والحالية  ارتباطهم بقضية شهيد كربلاء  الإمام الحسين عليه السلام .  والشيعة يرون في  إحياء عاشوراء الحسين  إنما يحيون المبادئ والقيم الإسلامية المثلى  كالعزة والكرامة والعدالة والحرية  وكل القيم الإسلامية  السامية  التي أكد عليها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم  عبر سنته الشريفة.

  لذا نجد المسلمين الشيعية  في كل سنة  بمختلف مناطقهم و بلدانهم يقومون بإحياء ذكرى عاشوراء الحسين عليه السلام ، ويتفاعلون بشكل كبير مع هذه الذكرى الحسينية الخالدة ،  لكي يعبرون عن تجديد البيعة والولاء لأئمة أهل البيت عليهم السلام ،  والتمسك بمنهجهم  الطاهر وفكرهم  النير وقيمهم السامية ، والتصميم على السير في خطهم  المقاوم للظلم  بجميع أشكاله وألوانه ، والإصرار على نشر تراثهم  المشرق لجميع الشعوب والأمم الأخرى بمختلف الوسائل الإعلامية  ، ودعوة الناس للتعرف على عظمة الأئمة الأطهار عليهم السلام ، واتخاذهم قدوة في جميع شؤون الحياة .

إن لأهل البيت عليهم السلام قداسة خاصة عند المسلمين الشيعة  ،  وعلاقة مميزة  مع ذكرى الإمام الحسين عليه السلام ، وذلك امتثالا ً لتوجيهات وكلمات  جده الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وأبيه أمير المؤمنين عليه السلام، وأمه الصديقة  الزهراء عليها السلام ،وأخيه  الأمام الحسن المجتبى عليه السلام والأئمة من ولده عليهم السلام   .

 فإن  المسلمين  الشيعة يحيون ثورة كربلاء  المباركة  في  الأيام العشرة الأولى من  شهر محرم الحرام  للتعرف على نهضة الإمام الحسين عليه السلام  الإسلامية  ذات الأبعاد الإنسانية، وأهدافه المقدسة ،  وسيرته العطرة ،  وقيمه السامية ، ومبادئه العظيمة ، وفضائله الطيبة ، وأخلاقه الكريمة ، ومواقفه الشجاعة ، وكلماته الخالدة .

لذا نلاحظ الأمور التالية :

أولا ً / تربية الأجيال الناشئة دينـيـــًا  وفق المنهج الحسيني  .

من سعادة  المسلمين الشيعة إنهم يرتبطون بشخصيات ربانية لم يعرف التاريخ البشري لهم مثيل في العظمة والعلم  والتقوى والعبادة والأخلاق  ألا وهم أهل البيت عليهم السلام . لذا من خلال إحياء ذكرى عاشوراء الحسين عليه السلام فإن  المسلمين الشيعة  يربون أجيالهم الناشئة على الفكر الإسلامي الأصيل والولاء لأهل البيت عليهم السلام ، والالتزام بسيرتهم المباركة ، ويثـقـفـون أبنائهم وبناتهم بالثقافة الإسلامية  الجميلة  ، مما يتيح  للأجيال الناشئة  التعرف على الإسلام ورحمته ، وتعاليمه السمحة ، وقادته الكبار ،  ورموزه الطيبة ، وإنجازاته الإنسانية ، وعطائه إللا محدود للبشرية ، ومساهماته الجليلة في تقدم الحضارة الإنسانية .

ومن خلال إحياء ذكرى عاشوراء الحسين عليه  السلام  ينقل الآباء تراث أهل البيت عليهم السلام  إلى أبنائهم الجدد ،  ويؤكدون سنويــًا على إعلان البراءة من  أعداء أهل البيت عليهم السلام  كبني أمية  وبالخصوص من  شيطانهم الأكبر يزيد بن معاوية ، والوقوف ضد أتباعه الجدد  الذين ساروا على خطه فكرًا ومنهجــًا وسلوكــًا  .

ثانيـــًا / ترسيخ القيم الحسينية في نفوس الأجيال  الناشئة .

إن  القيم الحسينية التي تذكر  وتـبـث عن طريق المحاضرات والخطب  والندوات والبرامج المختلفة أثناء أيام عاشوراء الحسين  عليه السلام  كالرحمة والعطف والعطاء والتضحية من أجل الحق وكل القيم الأخلاقية التي تجسدت في الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه في كربلاء  ،  أنتجت للمجتمعات الشيعية نفوســـًا طيبة طورت الواقع الشيعي ، وعقولا ً نيرة حافظت على القيم الإسلامية  النبيلة ، وقلوبـــًا رقيقة  اتخذت من الرحمة أسلوبـــًا حياتيـــًا للتعامل مع الناس، وأرواحــًا عطوفة  نشرت المحبة والمودة بين أفراد المجتمع .  إن المحاضرات والفعاليات العاشورائية ساهمت بشكل كبير في حفظ الشباب والشابات فكريـــًا وسلوكيــــًا ونفسيـــًا وحضاريـــًا .

إن سر بقاء الشيعة ومذهبهم  عبر هذه القرون الطويلة من الزمن  وحفاظهم على دورهم الريادي في تطوير الفكر الإسلامي والإنساني ، رغم  تهميشهم  والتضييق عليهم  وقتلهم   خلال حكم بني  أمية وبني العباس وغيرهما   ، إنما يرجع إلى  ارتباطهم بالقيم الحسينية الخالدة.

ثالثـــًا / عظمة ثواب زيارة الإمام الحسين عليه السلام  والبكاء عليه .

إن الإمام الحسين عليه السلام أعطى الله تعالى كل ما يملك في يوم واحد  فقط .  لقد  ضحى بنفسه الشريفة  وأولاده الطيبين وعائلته الكريمة . وذلك من أجل الله تعالى  وفي سبيله ، ومن أجل بقاء دينه العظيم . لذا نجد الثواب الكبير الذي حيـر العقول  والألباب عندما يزور المؤمنون قبر  الإمام الحسين عليه السلام ، ويبكون عليه في المأتم والمجالس الحسينية ، إنما  يدل على  كرم الله تعالى  اتجاه الإمام الحسين عليه السلام ، وتقديرًا للتضحية الحسينية الكبرى .

 قال الإمام الصادق "عليه السلام" : مَن زار قبر أبي عبد الله الحسين بن علي "عليهما السلام" وهو يعلم أنه إمامٌ مِن الله مفترض الطاعة على العباد , غفر الله ما تقدّم مِن ذنبه وما تأخّر وقَبِل شفاعـته في سبعـين مذنبــًا , ولم يسأل اللهَ عند قـبره حاجةً إلا قـضاهـا له . ( أمالي الصدوق).

وعن أبي هارون المكفوف قال : قال أبو عبد الله عليه السلام ومـنْ ذكر الحسين عليه السلام عنده فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله عز وجل ، ولم يرضَ له بدون الجنة . ( كامل الزيارات ) .

ومن دعاء الإمام الصادق عليه السلام  لزوار الإمام الحسين عليه السلام  :

 يا مــنْ خصنا بالكرامة  ووعدنا بالشفاعة  ..اغفر لي  ولإخواني ولزوار قبر الحسين بن علي الذين أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم ، اللهم فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس ، ارحم تلك الخدود التي تتقلب على قبر أبي عبد الله عليه السلام ، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا ، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا ، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا ، اللهم إني أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى ترويهم من الحوض يوم

العطش  . (( المزار الكبير )).

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين .