في تمتماته التي عبرت الزمن
آل أمان: قدّمتُ رحلة الصوت الباقي رغم الغياب.. وأسعى لأن يفتح الكتاب بابًا للتأمل
في عمله الجديد ”وتمتمت شفتاه“ يقترب الكاتب جعفر آل أمان من لحظة هي من أكثر اللحظات الحية في الذاكرة، حيث يستعيد رحلة رأس الإمام الحسين
بوصفها أثرا ظل ممتدا عبر الزمن. يقدم الكتاب مقاربة أدبية تحاول الإنصات للصوت الذي بقي حاضرًا رغم غياب الجسد الشريف. ويعتمد العمل على لغة تجمع بين التأمل والإيجاز، وعلى سرد يقترب من القارئ عبر الصورة والإحساس.
وفي هذه المساحة، يتحدث آل أمان عن دوافع الكتابة، وعن طبيعة هذه الرحلة، وعن الطريقة التي حاول من خلالها الإمساك بما بقي من أثر المسير، مقدّما للقارئ رؤية أعمق حول هذا العمل الذي يشكل محطة جديدة في مساره السردي، بعد ثلاثة إصدارات سابقة: ”ربما بقي أمل“ عام 2009م، و”أقلام ليّنة“ عام 2013م، و”الوسواسي“ عام 2018م.
أم الحمام الإخبارية ألقت الضوء على الكتاب الذي صدر حديثا عن دار دراية للنشر والتوزيع ودار المحجة البيضاء، وأجرت معه الحوار التالي:
: بدايةً، ما اللحظة التي دفعتك لكتابة هذا العمل ”وتمتمت شفتاه“؟
: كانت هناك لحظة ظلّت ترافقني منذ سنوات، وهي كلام الرأس الشريف في مسيره الطويل. شعرت بأن هذه الرحلة تحمل شيئًا أكبر من الحدث نفسه، شيئًا يلامس الإنسان من الداخل. أردت أن أقترب من هذا الأثر، وأن أكتب عن الصوت الذي بقي حيًا رغم غياب الجسد الشريف وامتداد الزمن.
: اخترت السرد الأدبي بدل التوثيق التاريخي. ما سبب هذا الخيار؟
: وجدت أن السرد الأدبي يمنحني مساحة أوسع. التاريخ يقدّم الوقائع، لكن السرد يقدّم أثرها. الكتاب محاولة للعبور إلى الجانب الذي يظلّ حيًا في الضمير، ويذهب إلى المنطقة التي يلتقي فيها الإنسان بذات الحدث، وليس إلى تفاصيل الطريق أو محطّاته فقط.
: كيف تعاملت مع فكرة ”الرأس الشريف الناطق“ داخل النص؟
: تعاملت معها بوصفها لحظة إنسانية عميقة، فالصوت الذي خرج من الرأس الشريف لم يكن مجرد معجزة تقال أو تكتب، بل كان أثرًا بقي حيًا في الوعي. حاولت أن أقدّم للقارئ ما يمكن أن يلمسه حين يقترب من تلك التمتمات التي عبرت الزمن.
: ما الذي حاولت الإمساك به في رحلة الرأس الشريف؟
: حاولت الإمساك بما بين الخطوات، تلك المسافة التي لا نراها في السرديات التقليدية. الرحلة تحمل إشارات كثيرة، وكل إشارة تفتح بابًا لفهم أعمق. كتبت عن أثر المسير، وعن النداء الذي بقي حاضرًا في الضمير الإنساني.
: اللغة في الكتاب تجمع بين التأمل والإيجاز. هل كان ذلك خيارًا مقصودًا؟
: نعم. طبيعة الموضوع وهذا النوع من الكتابة لا يحتملان الإسهاب أو الخطاب المباشر. الومضة تمنح المعنى مساحة ليكبر داخل القارئ، والتأمل يتيح له أن يشارك في القراءة، لا أن يكون متلقّيًا فقط.
: كيف استقبل القرّاء هذا النوع من السرد؟
: الحمد لله، كان استقبال القرّاء جميلًا ومشجّعًا. لاحظت حرصًا واضحًا على اقتناء الكتاب منذ الأيام الأولى، ووصلتني ردود فعل تحمل تقديرًا كبيرًا للفكرة وطريقة تناولها. شعرت بسعادة حقيقية لهذا الصدى، وكأن الرحلة التي كتبتها وجدت طريقها إلى قلوب الناس. هذا التفاعل منحني دفعة إيجابية، وجعلني أكثر رغبة في مواصلة العمل والبحث عن مساحات جديدة في الكتابة.
كما وجدت أن القرّاء يقتربون من النص بروح مختلفة. كثيرون قالوا إن الكتاب أعاد لهم النظر في الرحلة من زاوية جديدة، حيث يكون حديث الرأس في مركز المشهد. وهذا ما كنت أسعى إليه، أن يفتح الكتاب بابًا للتأمل.
: هذا هو كتابك الرابع، أين تضع كتاب ”وتمتمت شفتاه“ في مسارك الكتابي؟
: أضعه في منطقة خاصة. هذا العمل يقترب من الكتابة التي أحبّها والتي رغبت طويلًا في الوصول إليها، كتابة تمزج بين السرد والروح، وبين اللغة والأثر. أشعر أنه خطوة جديدة في مسار أحاول أن يكون صادقًا ومقنعًا فيما أقدّم.
: لو أردتم تقديم جملة توقيع للقارئ، ماذا تقولون؟
: لقلب يقرأُ بقدسيّة الرحلة.. أهديك شيئًا من أثرها.
: كلمة أخيرة للقراء؟
: أرجو أن يفتح هذا العمل بابًا صغيرًا في قلوب القرّاء، وأن يترك صوت الحسين
أثره الطبيعي في أرواحهم، كما أتمنى أن يجدوا في هذه الصفحات ما يقرّبهم من معنى هذه الرحلة الخالدة.













